ابن عجيبة

454

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : إن الذين استكملوا الإيمان ، وأخلصوا الأعمال ، يهديهم ربهم إلى من يوصلهم إلى جنة حضرته ، ببركة إيمانهم ، تجرى من تحت أفكارهم أنهار العلوم ، في جنات مشاهدة طلعته ، والتنعم بأنوار معرفته ، فإذا عاينوا ذلك أدهشتهم الأنوار ، فبادروا إلى التنزيه والتقديس ، فيجيبهم الحق تعالى بإقباله عليهم بأنوار وجهه ، وأسرار ذاته ، فيحمدونه ويشكرونه على ما أولاهم من سوابغ نعمته ، والسكون في جوار حضرته ، منحنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر ، آمين . ولمّا تعجب الكفار من بعث الرسول منهم ، وكفروا به ، استعجلوا ما خوفهم به من العذاب ، فأنزل اللّه جوابا لهم : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 11 ] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) قلت : ( استعجالهم ) : نصب على المصدر ، أي : استعجالا مثل استعجالهم بالخير . قال البيضاوي : وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير ، حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم . ه . ( فنذر ) : عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية ، كأنه قيل : ولكن لا نعجل ولا نقضي بل نمهلهم فنذر . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ حيث يطلبونه ، كقولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » ، ائْتِنا بِما تَعِدُنا « 2 » اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ ؛ كما يعجل اللّه لهم الخير حين يسألونه لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي : لأميتوا وأهلكوا من ساعتهم ، وقرأ ابن عباس ويعقوب : « لقضى » بالبناء للفاعل ، أي : لقضى اللّه إليهم أجلهم ، ولكن من حلمه تعالى وكرمه يمهلهم إلى تمام أجلهم ، فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا استدراجا وإمهالا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ : يتحيرون . والعمة : الخبط في الضلال ، وهذا التفسير أليق بمناسبة الكلام . وقيل : نزلت في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده بالشر ، أي : لو عجل اللّه للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعا ، فهو كقوله وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ « 3 » ويكون قوله : فَنَذَرُ . . . . إلخ استئنافا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من حلمه تعالى وسعة جوده أنه لا يعامل عبده بما يستحقه من العقاب ، ولا يعاجله بما يطلبه إن لم يكن فيه سداد وصواب ، حكى أن رجلا قال لبعض الأنبياء - عليهم السلام - : قل لربى : كم أعصيه وأخالفه ولم يعاقبني ، فأوحى اللّه إلى ذلك النبي : ليعلم أنى أنا وأنت أنت . ه . بل من عظيم كرمه تعالى أنه قد يعامل

--> ( 1 ) الآية 32 من سورة الأنفال . ( 2 ) من الآية 77 من سورة الإسراء . ( 3 ) من الآية 11 من سورة الإسراء .